فخر الدين الرازي
416
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة السادسة : قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها يدل على أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى ، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء ، وعرف بالدليل أن له إلهاً ورباً خالقاً موصوفاً بتلك الصفات الشريفة المقدسة ، فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات ، ثم إن لتلك الدعوة شرائط كثيرة مذكورة بالاستقصاء في كتاب « المنهاج » لأبي عبد اللَّه الحليمي ، وأحسن ما فيه أن يكون مستحضراً لأمرين : أحدهما : عزة الربوبية . والثانية : ذلة العبودية . فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر . فأما إذا لم يكن كذلك كان قليل الفائدة ، وأنا أذكر لهذا المعنى مثالًا ، وهو أن من أراد أن يقول في تحريمة صلاته اللَّه أكبر ، فإنه يجب أن يستحضر في النية جميع ما أمكنه من معرفة آثار حكمة اللَّه تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية أو الحركية ، ثم يتعدى من نفسه إلى استحضار آثار حكمة اللَّه في تخليق جميع الناس ، وجميع الحيوانات ، وجميع أصناف النبات والمعادن ، والآثار العلوية من الرعد والبرق والصواعق التي توجد في كل أطراف العالم ، ثم يستحضر آثار قدرة اللَّه تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار والمفاوز ، ثم يستحضر آثار قدرة اللَّه تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية ، ثم يستحضر آثار قدرة اللَّه تعالى في تخليق أطباق السماوات على سعتها وعظمها ، وفي تخليق أجرام النيرات من الثوابت والسيارات ، ثم يستحضر آثار قدرة اللَّه تعالى في تخليق الكرسي وسدرة المنتهى ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم المحيط بكل هذه الموجودات ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات ، فلا يزال يستحضر من هذه الدرجات والمراتب أقصى ما يصل إليه فهمه وعقله وذكره وخاطره وخياله ، ثم عند استحضار جميع هذه الروحانيات / والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين منازلها ومراتبها ، ويقول اللَّه أكبر ، ويشير بقوله - اللَّه - إلى الموجود الذي خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود ، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت ، وبقوله - أكبر - أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال : إنه أكبر من هذه الأشياء . فإذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور ، وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها . أما قوله تعالى : وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ فقيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة يُلْحِدُونَ ووافقه عاصم والكسائي في النحل . قال الفراء : يُلْحِدُونَ و يُلْحِدُونَ لغتان : يقال : لحدت لحداً وألحدت ، قال أهل اللغة : معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت : الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه . يقال : قد ألحد في الدين ولحد ، وقال أبو عمرو من أهل اللغة : الإلحاد : العدول عن الاستقامة والانحراف عنها . ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر . قال الواحدي رحمه اللَّه : والأجود قراءة العامة لقوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [ الحج : 25 ] والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم : ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لا حد . المسألة الثانية : قال المحققون : الإلحاد في أسماء اللَّه يقع على ثلاثة أوجه : الأول : إطلاق أسماء اللَّه المقدسة الطاهرة على غير اللَّه ، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ، ومن ذلك أنهم سموا أصناماً لهم باللات والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الإله ، والعزى من العزيز ، واشتقاق مناة من المنان . وكان مسيلمة